جلال الدين الرومي
140
فيه ما فيه
إلى البداية وينظر غيرهم إلى النهاية فمن ينظر إلى الآخرة هم الأعزاء والكبار ، لأن نظرهم على العاقبة والآخرة ، ومن يلحظ البداية هم الخواص يقولون ما الحاجة إلى النظر إلى الآخرة . إن القمح إذا زرع في البداية لن يثمر شعيرا في النهاية وما غرس شعيرا في الأول لن يثمر قمحا في العاقبة ، إذن فهم ناظرون إلى الأول . وجماعة ثالثة هم الأخص لا ينظرون إلى البداية ولا النهاية ولا يذكرون الأول والآخر هم غرقى في الحق . وجماعة رابعة هم غارقون في الدنيا ولا ينظرون إلى البداية أو النهاية من غاية غفلتهم وهم علف جهنم . إذن فعلمنا أن محمدا - صلى اللّه عليه وسلم - كان هو الأصل ( لولاك ما خلقت الأفلاك ) . وكل شئ كائن من الشرف والتواضع والمقامات العليا هو من عطائه وظله لأنه ظهر منه كذلك كل من سبق بالسلام فسبقه بسبب ظل العقل ؛ لأن العقل أظله بظله مع أنه ليس للعقل ظل ، لكن له ظل بلا ظل كما أن للمعنى وجودا بدون وجود ، وإذا لم يكن الآدمي مستظلا بظل العقل لتعطلت جميع جوارحه عن العمل ؛ فما بطشت يده ولا سارت قدماه ولا أبصرت عيناه ولا سمعت أذناه ؛ إذا فبظل العقل تقوم الأعضاء بعملها على خير وجه وأليق . وفي الحقيقة فكل هذه الأعمال تتحقق بالعقل وما الجوارح إلا آلات . إن الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - إنسان عظيم وخليفة الوقت وهو كالعقل الكل وعقول الخلق كأعضائه وكل ما تفعله فبظله ، وإذا صدر عنهم عوج فالعوج آت منهم هم ؛ لأن هذا العقل الكل قد رفع ظله عنهم